الحاج حسين الشاكري

603

موسوعة المصطفى والعترة ( ع )

ومهما يكن من أمر فقد تعصّب كلّ فريق إلى بلده وتنابزوا ، وعيّر أهل المدينة بسماع الغناء ، وأهل مكّة بالمتعة ، وأهل الكوفة بالنبيذ ، واستندت عصبية كلّ قوم لبلادهم ، وحملتهم عصبيّتهم على وضع الأخبار في مدح قومه وبلده وذمّ مقابله ، وعظم الانشقاق بين الطائفتين : أصحاب الرأي والقياس وأصحاب الحديث ، وبالطبع إنّ الكوفة تضعف عن مقابلة الحجاز ، ولكنّ السياسة الزمنية اقتضت أن تكون إلى جانب أهل الرأي ، لا حبّاً لهم ، ولكن بغضاً لأهل الحديث أهل المدينة ، وأصبح لكلّ جانب أنصار ومتعصّبون . وقد طغت موجة التعصّب بين المذاهب السنّية حتّى أصبح التكتّم بالمذهب لازماً . يقول أبو بكر محمد بن عبد الباقي المتوفّى سنة 535 ه‍ وكان حنبلياً : إحفظ لسانك لا تُبحْ بثلاثة * سنٍّ ومال ما استطعت ومذهبِ فعلى الثلاثة تبتلي بثلاثة * بمكفّر وبحاسد ومكذّبِ ويعطينا الزمخشري صورة واضحة من صور الخلاف وشدّة التطاحن بين المذاهب وطعن البعض على البعض بقوله : إذا سألوا عن مذهبي لم أُبح به * وأكتمه كتمانه لي أسلمُ فإنْ حنفياً قلت قالوا بأنّني * أُبيح الطلى وهو الشراب المحرّمُ وإنْ شافعياً قلت قالوا بأنّني * أُبيح نكاح البنت والبنت تحرمُ وإنْ مالكياً قلت قالوا بأنّني * أُبيح لهم أكل الكلاب وهم همُ وإنْ قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون تيس ليس يدري ويفهمُ ( 1 )

--> ( 1 ) الكشّاف ؛ الزمخشري 2 : 573 ، الطبعة القديمة ، وحُذفت من الطبعة الجديدة .